عبد الكريم الخطيب
85
التفسير القرآنى للقرآن
ولا تنفع في القوم هذه المثلات ، ولا تقوم لهم منها شواهد العبر والعظات ، وإذا الذين رحمهم اللّه منهم من هذه المحنة ونجاه من القتل ؛ لا يزالون في ريبة من ربّهم ، وفي شك من معبودهم ، فيجيئون إلى موسى بهذا الطلب العجيب : « لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » وهم بهذا يكشفون عن بلادة حسّهم ، وطفولة مداركهم ، بحيث لا يتعاملون مع الحياة إلا بما يلامس حواسّهم ، ويجبه أبصارهم ، أمّا ما يستشفه الوجدان ، ويتمثله الحدس والخيال ؛ فليس لهم حظ منه ، ولا تجاوب معه . . إنهم لم يستطيعوا أن يروا اللّه في آياته التي تبدو في ظاهر الموجودات وباطنها ، أو أن يشهدوه فيما يجريه اللّه تعالى على يد موسى عليه السلام ، من معجزات ناطقة بقدرة اللّه ، وبسلطانه المتمكن في كل ذرة من ذرات الوجود ، حتى لقد آمن سحرة فرعون بين يدي موسى من غير دعوة إلى الإيمان ، وهم منه في وجه خصومة بادية وعداوة متحدية ، بل لقد اضطر فرعون إزاء سطوة المعجزة أن يقول : « آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل » . . ولكن القوم رجال في مساليخ أطفال ، لا يكادون يخطون على طريق الهدى خطوة أو بضع خطوات ؛ حتى يتعثروا ويسقطوا في التراب والوحل ! وكان من إعناتهم لنبيهم موسى ، وإلحاحهم عليه ، في ثرثرة كثرثرة الصبيان ، ولهفة كلهفة الأطفال - أن طلب موسى من ربّه أن يراه حتى يراه معه هؤلاء الأغبياء ، كما جاء في قوله تعالى على لسان موسى : « وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ، قالَ لَنْ تَرانِي ، وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً » ( 143 : الأعراف )